الجمعة، 28 أغسطس 2015

سورة آل عمران - فارس عباد HD










لتحميل السورة بصيغة mp3 : اضغط هنا



3- تفسير سورة آل عمران عدد آياتها 200 آية 1-25 )
وهي مدنية
نزل صدرها إلى بضع وثمانين آية في مخاصمة النصارى وإبطال مذهبهم ودعوتهم إلى الدخول في الدين الحق دين الإسلام كما نزل صدر البقرة في محاجة اليهود كما تقدم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
{ 1 - 6 } { الم * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ * إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ * هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }
افتتحها تبارك وتعالى بالإخبار بألوهيته، وأنه الإله الذي لا إله إلا هو الذي لا ينبغي التأله والتعبد إلا لوجهه، فكل معبود سواه فهو باطل، والله هو الإله الحق المتصف بصفات الألوهية التي مرجعها إلى الحياة والقيومية، فالحي من له الحياة العظيمة الكاملة المستلزمة لجميع الصفات التي لا تتم ولا تكمل الحياة إلا بها كالسمع والبصر والقدرة والقوة والعظمة والبقاء والدوام والعز الذي لا يرام { القيوم } الذي قام بنفسه فاستغنى عن جميع مخلوقاته، وقام بغيره فافتقرت إليه جميع مخلوقاته في الإيجاد والإعداد والإمداد، فهو الذي قام بتدبير الخلائق وتصريفهم، تدبير للأجسام وللقلوب والأرواح.
ومن قيامه تعالى بعباده ورحمته بهم أن نزل على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم الكتاب، الذي هو أجل الكتب وأعظمها المشتمل على الحق في إخباره وأوامره ونواهيه، فما أخبر به صدق، وما حكم به فهو العدل، وأنزله بالحق ليقوم الخلق بعبادة ربهم ويتعلموا كتابه { مصدقا لما بين يديه } من الكتب السابقة، فهو المزكي لها، فما شهد له فهو المقبول، وما رده فهو المردود، وهو المطابق لها في جميع المطالب التي اتفق عليها المرسلون، وهي شاهدة له بالصدق، فأهل الكتاب لا يمكنهم التصديق بكتبهم إن لم يؤمنوا به، فإن كفرهم به ينقض إيمانهم بكتبهم، ثم قال تعالى { وأنزل التوراة } أي: على موسى { والإنجيل } على عيسى.
{ من قبل } إنزال القرآن { هدى للناس } الظاهر أن هذا راجع لكل ما تقدم، أي: أنزل الله القرآن والتوراة والإنجيل هدى للناس من الضلال، فمن قبل هدى الله فهو المهتدي، ومن لم يقبل ذلك بقي على ضلاله { وأنزل الفرقان } أي: الحجج والبينات والبراهين القاطعات الدالة على جميع المقاصد والمطالب، وكذلك فصل وفسر ما يحتاج إليه الخلق حتى بقيت الأحكام جلية ظاهرة، فلم يبق لأحد عذر ولا حجة لمن لم يؤمن به وبآياته، فلهذا قال { إن الذين كفروا بآيات الله } أي: بعد ما بينها ووضحها وأزاح العلل { لهم عذاب شديد } لا يقدر قدره ولا يدرك وصفه { والله عزيز } أي: قوي لا يعجزه شيء { ذو انتقام } ممن عصاه.
{ إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء } وهذا فيه تقرير إحاطة علمه بالمعلومات كلها، جليها وخفيها، ظاهرها وباطنها، ومن جملة ذلك الأجنة في البطون التي لا يدركها بصر المخلوقين، ولا ينالها علمهم، وهو تعالى يدبرها بألطف تدبير، ويقدرها بكل تقدير، فلهذا قال { هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء }
{ هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء } من كامل الخلق وناقصه، وحسن وقبيح، وذكر وأنثى { لا إله إلا هو العزيز الحكيم } تضمنت هذه الآيات تقرير إلهية الله وتعينها، وإبطال إلهية ما سواه، وفي ضمن ذلك رد على النصارى الذين يزعمون إلهية عيسى ابن مريم عليه السلام، وتضمنت إثبات حياته الكاملة وقيوميته التامة، المتضمنتين جميع الصفات المقدسة كما تقدم، وإثبات الشرائع الكبار، وأنها رحمة وهداية للناس، وتقسيم الناس إلى مهتد وغيره، وعقوبة من لم يهتد بها، وتقرير سعة علم الباري ونفوذ مشيئته وحكمته.
{ 7 - 9 } { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ * رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ * رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ }
القرآن العظيم كله محكم كما قال تعالى { كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير } فهو مشتمل على غاية الإتقان والإحكام والعدل والإحسان { ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون } وكله متشابه في الحسن والبلاغة وتصديق بعضه لبعضه ومطابقته لفظا ومعنى، وأما الإحكام والتشابه المذكور في هذه الآية فإن القرآن كما ذكره الله { منه آيات محكمات } أي: واضحات الدلالة، ليس فيها شبهة ولا إشكال { هن أم الكتاب } أي: أصله الذي يرجع إليه كل متشابه، وهي معظمه وأكثره، { و } منه آيات { أخر متشابهات } أي: يلتبس معناها على كثير من الأذهان: لكون دلالتها مجملة، أو يتبادر إلى بعض الأفهام غير المراد منها، فالحاصل أن منها آيات بينة واضحة لكل أحد، وهي الأكثر التي يرجع إليها، ومنه آيات تشكل على بعض الناس، فالواجب في هذا أن يرد المتشابه إلى المحكم والخفي إلى الجلي، فبهذه الطريق يصدق بعضه بعضا ولا يحصل فيه مناقضة ولا معارضة، ولكن الناس انقسموا إلى فرقتين { فأما الذين في قلوبهم زيغ } أي: ميل عن الاستقامة بأن فسدت مقاصدهم، وصار قصدهم الغي والضلال وانحرفت قلوبهم عن طريق الهدى والرشاد { فيتبعون ما تشابه منه } أي: يتركون المحكم الواضح ويذهبون إلى المتشابه، ويعكسون الأمر فيحملون المحكم على المتشابه { ابتغاء الفتنة } لمن يدعونهم لقولهم، فإن المتشابه تحصل به الفتنة بسبب الاشتباه الواقع فيه، وإلا فالمحكم الصريح ليس محلا للفتنة، لوضوح الحق فيه لمن قصده اتباعه، وقوله { وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله } للمفسرين في الوقوف على { الله } من قوله { وما يعلم تأويله إلا الله } قولان، جمهورهم يقفون عندها، وبعضهم يعطف عليها { والراسخون في العلم } وذلك كله محتمل، فإن التأويل إن أريد به علم حقيقة الشيء وكنهه كان الصواب الوقوف على { إلا الله } لأن المتشابه الذي استأثر الله بعلم كنهه وحقيقته، نحو حقائق صفات الله وكيفيتها، وحقائق أوصاف ما يكون في اليوم الآخر ونحو ذلك، فهذه لا يعلمها إلا الله، ولا يجوز التعرض للوقوف عليها، لأنه تعرض لما لا يمكن معرفته، كما سئل الإمام مالك رحمه الله عن قوله { الرحمن على العرش [استوى ] }  فقال السائل: كيف استوى؟ فقال مالك: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، فهكذا يقال في سائر الصفات لمن سأل عن كيفيتها أن يقال كما قال الإمام مالك، تلك الصفة معلومة، وكيفيتها مجهولة، والإيمان بها واجب، والسؤال عنها بدعة، وقد أخبرنا الله بها ولم يخبرنا بكيفيتها، فيجب علينا الوقوف على ما حد لنا، فأهل الزيغ يتبعون هذه الأمور المشتبهات تعرضا لما لا يعني، وتكلفا لما لا سبيل لهم إلى علمه، لأنه لا يعلمها إلا الله، وأما الراسخون في العلم فيؤمنون بها ويكلون المعنى إلى الله فيسلمون ويسلمون، وإن أريد بالتأويل التفسير والكشف والإيضاح، كان الصواب عطف { الراسخون } على { الله } فيكون الله قد أخبر أن تفسير المتشابه ورده إلى المحكم وإزالة ما فيه من الشبهة لا يعلمها إلا هو تعالى والراسخون في العلم يعلمون أيضا، فيؤمنون بها ويردونها للمحكم ويقولون { كل } من المحكم والمتشابه { من عند ربنا } وما كان من عنده فليس فيه تعارض ولا تناقض بل هو متفق يصدق بعضه بعضا ويشهد بعضه لبعض  وفيه تنبيه على الأصل الكبير، وهو أنهم إذا علموا أن جميعه من عند الله، وأشكل عليهم مجمل المتشابه، علموا يقينا أنه مردود إلى المحكم، وإن لم يفهموا وجه ذلك. ولما رغب تعالى في التسليم والإيمان بأحكامه وزجر عن اتباع المتشابه قال { وما يذكر } أي: يتعظ بمواعظ الله ويقبل نصحه وتعليمه إلا { أولوا الألباب } أي: أهل العقول الرزينة لب العالم وخلاصة بني آدم يصل التذكير إلى عقولهم، فيتذكرون ما ينفعهم فيفعلونه، وما يضرهم فيتركونه، وأما من عداهم فهم القشور الذي لا حاصل له ولا نتيجة تحته، لا ينفعهم الزجر والتذكير لخلوهم من العقول النافعة.
ثم أخبر تعالى عن الراسخين في العلم أنهم يدعون ويقولون { ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا } أي: لا تملها عن الحق جهلا وعنادا منا، بل اجعلنا مستقيمين هادين مهتدين، فثبتنا على هدايتك وعافنا مما  ابتليت به الزائغين { وهب لنا من لدنك رحمة } أي: عظيمة توفقنا بها للخيرات وتعصمنا بها من المنكرات { إنك أنت الوهاب } أي: واسع العطايا والهبات، كثير الإحسان الذي عم جودك جميع البريات.
{ ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إنك لا تخلف الميعاد } فمجازيهم بأعمالهم حسنها وسيئها، وقد أثنى الله تعالى على الراسخين في العلم بسبع صفات هي عنوان سعادة العبد: إحداها: العلم الذي هو الطريق الموصل إلى الله، المبين لأحكامه وشرائعه، الثانية: الرسوخ في العلم وهذا قدر زائد على مجرد العلم، فإن الراسخ في العلم يقتضي أن يكون عالما محققا، وعارفا مدققا، قد علمه الله ظاهر العلم وباطنه، فرسخ قدمه في أسرار الشريعة علما وحالا وعملا، الثالثة: أنه وصفهم بالإيمان بجميع كتابه ورد لمتشابهه إلى محكمه، بقوله { يقولون آمنا به كل من عند ربنا } الرابعة: أنهم سألوا الله العفو والعافية مما ابتلي به الزائغون المنحرفون، الخامسة: اعترافهم بمنة الله عليهم بالهداية وذلك قوله { ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا } السادسة: أنهم مع هذا سألوه رحمته المتضمنة حصول كل خير واندفاع كل شر، وتوسلوا إليه باسمه الوهاب، السابعة: أنه أخبر عن إيمانهم وإيقانهم بيوم القيامة وخوفهم منه، وهذا هو الموجب للعمل الرادع عن الزلل، ثم قال تعالى:
{ 10 - 13 } { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ * كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ * قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ * قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ }
يخبر تعالى أن الكفار به وبرسله، الجاحدين بدينه وكتابه، قد استحقوا العقاب وشدة العذاب بكفرهم وذنوبهم وأنه لا يغني عنهم مالهم ولا أولادهم شيئا، وإن كانوا في الدنيا يستدفعون بذلك النكبات التي ترد عليهم، ويقولون { نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين } فيوم القيامة يبدو لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون { وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن } وليس للأولاد والأموال قدر عند الله، إنما ينفع العبد إيمانه بالله وأعماله الصالحة، كما قال تعالى { وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون } وأخبر هنا أن الكفار هم وقود النار، أي: حطبها، الملازمون لها دائما أبدا، وهذه الحال التي ذكر الله تعالى أنها لا تغني الأموال والأولاد عن الكفار شيئا، سنته الجارية في الأمم السابقة.‏
كما جرى لفرعون ومن قبله ومن بعدهم من الفراعنة العتاة الطغاة أرباب الأموال والجنود لما كذبوا بآيات الله وجحدوا ما جاءت به الرسل وعاندوا، أخذهم الله بذنوبهم عدلا منه لا ظلما والله شديد العقاب على من أتى بأسباب العقاب وهو الكفر والذنوب على اختلاف أنواعها وتعدد مراتبها
ثم قال تعالى { قل } يا محمد { للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد } وفي هذا إشارة للمؤمنين بالنصر والغلبة وتحذير للكفار، وقد وقع كما أخبر تعالى، فنصر الله المؤمنين على أعدائهم من كفار المشركين واليهود والنصارى، وسيفعل هذا تعالى بعباده وجنده المؤمنين إلى يوم القيامة، ففي هذا عبرة وآية من آيات القرآن المشاهدة بالحس والعيان، وأخبر تعالى أن الكفار مع أنهم مغلوبون في الدار أنهم محشورون ومجموعون يوم القيامة لدار البوار، وهذا هو الذي مهدوه لأنفسهم فبئس المهاد مهادهم، وبئس الجزاء جزاؤهم.
{ قد كان لكم آية } أي: عبرة عظيمة { في فئتين التقتا } وهذا يوم بدر { فئة تقاتل في سبيل الله } وهم الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه { وأخرى كافرة } أي: كفار قريش الذين خرجوا من ديارهم بطرا وفخرا ورئاء الناس، ويصدون عن سبيل الله، فجمع الله بين الطائفتين في بدر، وكان المشركون أضعاف المؤمنين، فلهذا قال { يرونهم مثليهم رأي العين } أي: يرى المؤمنون الكافرين يزيدون عليها زيادة كثيرة، تبلغ المضاعفة وتزيد عليها، وأكد هذا بقوله { رأي العين } فنصر الله المؤمنين وأيدهم بنصره فهزموهم، وقتلوا صناديدهم، وأسروا كثيرا منهم، وما ذاك إلا لأن الله ناصر من نصره، وخاذل من كفر به، ففي هذا عبرة لأولي الأبصار، أي: أصحاب البصائر النافذة والعقول الكاملة، على أن الطائفة المنصورة معها الحق، والأخرى مبطلة، وإلا فلو نظر الناظر إلى مجرد الأسباب الظاهرة والعدد والعدد لجزم بأن غلبة هذه الفئة القليلة لتلك الفئة الكثيرة من أنواع المحالات، ولكن وراء هذا السبب المشاهد بالأبصار سبب أعظم منه لا يدركه إلا أهل البصائر والإيمان بالله والتوكل على الله والثقة بكفايته، وهو نصره وإعزازه لعباده المؤمنين على أعدائه الكافرين.
{ 14 - 17 } { زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ * قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ }
يخبر تعالى أنه زين للناس حب الشهوات الدنيوية، وخص هذه الأمور المذكورة لأنها أعظم شهوات الدنيا وغيرها تبع لها، قال تعالى { إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها } فلما زينت لهم هذه المذكورات بما فيها من الدواعي المثيرات، تعلقت بها نفوسهم ومالت إليها قلوبهم، وانقسموا بحسب الواقع إلى قسمين: قسم: جعلوها هي المقصود، فصارت أفكارهم وخواطرهم وأعمالهم الظاهرة والباطنة لها، فشغلتهم عما خلقوا لأجله، وصحبوها صحبة البهائم السائمة، يتمتعون بلذاتها ويتناولون شهواتها، ولا يبالون على أي: وجه حصلوها، ولا فيما أنفقوها وصرفوها، فهؤلاء كانت زادا لهم إلى دار الشقاء والعناء والعذاب، والقسم الثاني: عرفوا المقصود منها وأن الله جعلها ابتلاء وامتحانا لعباده، ليعلم من يقدم طاعته ومرضاته على لذاته وشهواته، فجعلوها وسيلة لهم وطريقا يتزودن منها لآخرتهم ويتمتعون بما يتمتعون به على وجه الاستعانة به على مرضاته، قد صحبوها بأبدانهم وفارقوها بقلوبهم، وعلموا أنها كما قال الله فيها { ذلك متاع الحياة الدنيا } فجعلوها معبرا إلى الدار الآخرة ومتجرا يرجون بها الفوائد الفاخرة، فهؤلاء صارت لهم زادا إلى ربهم. وفي هذه الآية تسلية للفقراء الذين لا قدرة لهم على هذه الشهوات التي يقدر عليها الأغنياء، وتحذير للمغترين بها وتزهيد لأهل العقول النيرة بها، وتمام ذلك أن الله تعالى أخبر بعدها عن دار القرار ومصير المتقين الأبرار، وأخبر أنها خير من ذلكم المذكور، ألا وهي الجنات العاليات ذات المنازل الأنيقة والغرف العالية، والأشجار المتنوعة المثمرة بأنواع الثمار، والأنهار الجارية على حسب مرادهم والأزواج المطهرة من كل قذر ودنس وعيب ظاهر وباطن، مع الخلود الدائم الذي به تمام النعيم، مع الرضوان من الله الذي هو أكبر نعيم، فقس هذه الدار الجليلة بتلك الدار الحقيرة، ثم اختر لنفسك أحسنهما واعرض على قلبك المفاضلة بينهما { والله بصير بالعباد } أي: عالم بما فيهم من الأوصاف الحسنة والأوصاف القبيحة، وما هو اللائق بأحوالهم، يوفق من شاء منهم ويخذل من شاء. فالجنة التي ذكر الله وصفها ونعتها بأكمل نعت وصف أيضا المستحقين لها وهم الذين اتقوه بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه، وكان من دعائهم أن قالوا:
(16 - 17) { ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار } توسلوا بمنة الله عليهم بتوفيقهم للإيمان أن يغفر لهم ذنوبهم ويقيهم شر آثارها وهو عذاب النار، ثم فصل أوصاف التقوى.
فقال { الصابرين } أنفسهم على ما يحبه الله من طاعته، وعن معصيته، وعلى أقداره المؤلمة، { والصادقين } في إيمانهم وأقوالهم وأحوالهم { والمنفقين } مما رزقهم الله بأنواع النفقات على المحاويج من الأقارب وغيرهم { والمستغفرين بالأسحار } لما بين صفاتهم الحميدة ذكر احتقارهم لأنفسهم وأنهم لا يرون لأنفسهم، حالا ولا مقاما، بل يرون أنفسهم مذنبين مقصرين فيستغفرون ربهم، ويتوقعون أوقات الإجابة وهي السحر، قال الحسن: مدوا الصلاة إلى السحر، ثم جلسوا يستغفرون ربهم. فتضمنت هذه الآيات حالة الناس في الدنيا وأنها متاع ينقضي، ثم وصف الجنة وما فيها من النعيم وفاضل بينهما، وفضل الآخرة على الدنيا تنبيها على أنه يجب إيثارها والعمل لها، ووصف أهل الجنة وهم المتقون، ثم فصل خصال التقوى، فبهذه الخصال يزن العبد نفسه، هل هو من أهل الجنة أم لا؟

{ 18 - 20 } { شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ }
هذا تقرير من الله تعالى للتوحيد بأعظم الطرق الموجبة له، وهي شهادته تعالى وشهادة خواص الخلق وهم الملائكة وأهل العلم، أما شهادته تعالى فيما أقامه من الحجج والبراهين القاطعة على توحيده، وأنه لا إله إلا هو، فنوع الأدلة في الآفاق والأنفس على هذا الأصل العظيم، ولو لم يكن في ذلك إلا أنه ما قام أحد بتوحيده إلا ونصره على المشرك الجاحد المنكر للتوحيد، وكذلك إنعامه العظيم الذي ما بالعباد من نعمة إلا منه، ولا يدفع النقم إلا هو، والخلق كلهم عاجزون عن المنافع والمضار لأنفسهم ولغيرهم، ففي هذا برهان قاطع على وجوب التوحيد وبطلان الشرك، وأما شهادة الملائكة بذلك فنستفيدها بإخبار الله لنا بذلك وإخبار رسله، وأما شهادة أهل العلم فلأنهم هم المرجع في جميع الأمور الدينية خصوصا في أعظم الأمور وأجلها وأشرفها وهو التوحيد، فكلهم من أولهم إلى آخرهم قد اتفقوا على ذلك ودعوا إليه وبينوا للناس الطرق الموصلة إليه، فوجب على الخلق التزام هذا الأمر المشهود عليه والعمل به، وفي هذا دليل على أن أشرف الأمور علم التوحيد لأن الله شهد به بنفسه وأشهد عليه خواص خلقه، والشهادة لا تكون إلا عن علم ويقين، بمنزلة المشاهدة للبصر، ففيه دليل على أن من لم يصل في علم التوحيد إلى هذه الحالة فليس من أولي العلم. وفي هذه الآية دليل على شرف العلم من وجوه كثيرة، منها: أن الله خصهم بالشهادة على أعظم مشهود عليه دون الناس، ومنها: أن الله قرن شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته، وكفى بذلك فضلا، ومنها: أنه جعلهم أولي العلم، فأضافهم إلى العلم، إذ هم القائمون به المتصفون بصفته، ومنها: أنه تعالى جعلهم شهداء وحجة على الناس، وألزم الناس العمل بالأمر المشهود به، فيكونون هم السبب في ذلك، فيكون كل من عمل بذلك نالهم من أجره، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ومنها: أن إشهاده تعالى أهل العلم يتضمن ذلك تزكيتهم وتعديلهم وأنهم أمناء على ما استرعاهم عليه، ولما قرر توحيده قرر عدله، فقال: { قائمًا بالقسط } أي: لم يزل متصفا بالقسط في أفعاله وتدبيره بين عباده، فهو على صراط مستقيم في ما أمر به ونهى عنه، وفيما خلقه وقدره، ثم أعاد تقرير توحيده فقال { لا إله إلا هو العزيز الحكيم } واعلم أن هذا الأصل الذي هو توحيد الله وإفراده بالعبودية قد دلت عليه الأدلة النقلية والأدلة العقلية، حتى صار لذوي البصائر أجلى من الشمس، فأما الأدلة النقلية فكل ما في كتاب الله وسنة رسوله، من الأمر به وتقريره، ومحبة أهله وبغض من لم يقم به وعقوباتهم، وذم الشرك وأهله، فهو من الأدلة النقلية على ذلك، حتى كاد القرآن أن يكون كله أدلة عليه، وأما الأدلة العقلية التي تدرك بمجرد فكر العقل وتصوره للأمور فقد أرشد القرآن إليها ونبه على كثير منها، فمن أعظمها: الاعتراف بربوبية الله، فإن من عرف أنه هو الخالق الرازق المدبر لجميع الأمور أنتج له ذلك أنه هو المعبود الذي لا تنبغي العبادة إلا له، ولما كان هذا من أوضح الأشياء وأعظمها أكثر الله تعالى من الاستدلال به في كتابه. ومن الأدلة العقلية على أن الله هو الذي يؤله دون غيره انفراده بالنعم ودفع النقم، فإن من عرف أن النعم الظاهرة والباطنة القليلة والكثيرة كلها من الله، وأنه ما من نقمة ولا شدة ولا كربة إلا وهو الذي ينفرد بدفعها وإن أحدا من الخلق لا يملك لنفسه - فضلا عن غيره- جلب نعمة ولا دفع نقمة، تيقن أن عبودية ما سوى الله من أبطل الباطل وأن العبودية لا تنبغي إلا لمن انفرد بجلب المصالح ودفع المضار، فلهذا أكثر الله في كتابه من التنبيه على هذا الدليل جدا، ومن الأدلة العقلية أيضا على ذلك: ما أخبر به تعالى عن المعبودات التي عبدت من دونه، بأنها لا تملك نفعا ولا ضرا، ولا تنصر غيرها ولا تنصر نفسها، وسلبها الأسماع والأبصار، وأنها على فرض سماعها لا تغني شيئا، وغير ذلك من الصفات الدالة على نقصها غاية النقص، وما أخبر به عن نفسه العظيمة من الصفات الجليلة والأفعال الجميلة، والقدرة والقهر، وغير ذلك من الصفات التي تعرف بالأدلة السمعية والعقلية، فمن عرف ذلك حق المعرفة عرف أن العبادة لا تليق ولا تحسن إلا بالرب العظيم الذي له الكمال كله، والمجد كله، والحمد كله، والقدرة كلها، والكبرياء كلها، لا بالمخلوقات المدبرات الناقصات الصم البكم الذين لا يعقلون، ومن الأدلة العقلية على ذلك ما شاهده العباد بأبصارهم من قديم الزمان وحديثه، من الإكرام لأهل التوحيد، والإهانة والعقوبة لأهل الشرك، وما ذاك إلا لأن التوحيد جعله الله موصلا إلى كل خير دافعا لكل شر ديني ودنيوي، وجعل الشرك به والكفر سببا للعقوبات الدينية والدنيوية، ولهذا إذا ذكر تعالى قصص الرسل مع أمم المطيعين والعاصين، وأخبر عن عقوبات العاصين ونجاة الرسل ومن تبعهم، قال عقب كل قصة: { إن في ذلك لآية } أي: لعبرة يعتبر بها المعتبرون فيعلمون أن توحيده هو الموجب للنجاة، وتركه هو الموجب للهلاك، فهذه من الأدلة الكبار العقلية النقلية الدالة على هذا الأصل العظيم، وقد أكثر الله منها في كتابه وصرفها ونوعها ليحيى من حي عن بينة، ويهلك من هلك عن بينة فله الحمد والشكر والثناء.
ولما قرر أنه الإله الحق المعبود، بين العبادة والدين الذي يتعين أن يعبد به ويدان له، وهو الإسلام الذي هو الاستسلام لله بتوحيده وطاعته التي دعت إليها رسله، وحثت عليها كتبه، وهو الذي لا يقبل من أحد دين سواه، وهو متضمن للإخلاص له في الحب والخوف والرجاء والإنابة والدعاء ومتابعة رسوله في ذلك، وهذا هو دين الرسل كلهم، وكل من تابعهم فهو على طريقهم، وإنما اختلف أهل الكتاب بعد ما جاءتهم كتبهم تحثهم على الاجتماع على دين الله، بغيا بينهم، وظلما وعدوانا من أنفسهم، وإلا فقد جاءهم السبب الأكبر الموجب أن يتبعوا الحق ويتركوا الاختلاف، وهذا من كفرهم، فلهذا قال تعالى { وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيًا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب } فيجازي كل عامل بعمله، وخصوصا من ترك الحق بعد معرفته، فهذا مستحق للوعيد الشديد والعقاب الأليم، ثم أمر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم عند محاجة النصارى وغيرهم ممن يفضل غير دين الإسلام
عليه أن يقول لهم: قد { أسلمت وجهي لله ومن اتبعن } أي: أنا ومن اتبعني قد أقررنا وشهدنا وأسلمنا وجوهنا لربنا، وتركنا ما سوى دين الإسلام، وجزمنا ببطلانه، ففي هذا تأييس لمن طمع فيكم، وتجديد لدينكم عند ورود الشبهات، وحجة على من اشتبه عليه الأمر، لأنه قد تقدم أن الله استشهد على توحيده بأهل العلم من عباده ليكونوا حجة على غيرهم، وسيد أهل العلم وأفضلهم وأعلمهم هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ثم من بعده أتباعه على اختلاف مراتبهم وتفاوت درجاتهم، فلهم من العلم الصحيح والعقل الرجيح ما ليس لأحد من الخلق ما يساويهم أو يقاربهم، فإذا ثبت وتقرر توحيد الله ودينه بأدلته الظاهرة، وقام به أكمل الخلق وأعلمهم، حصل بذلك اليقين وانتفى كل شك وريب وقادح، وعرف أن ما سواه من الأديان باطلة، فلهذا قال { وقل للذين أوتوا الكتاب } من النصارى واليهود { والأميين } مشركي العرب وغيرهم { أأسلمتم فإن أسلموا } أي: بمثل ما أمنتم به { فقد اهتدوا } كما اهتديتم وصاروا إخوانكم، لهم ما لكم، وعليهم ما عليكم { وإن تولوا } عن الإسلام ورضوا بالأديان التي تخالفه { فإنما عليك البلاغ } فقد وجب أجرك على ربك، وقامت عليهم الحجة، ولم يبق بعد هذا إلا مجازاتهم بالعقاب على جرمهم، فلهذا قال { والله بصير بالعباد }

{ 21 - 22 } { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ }
هؤلاء الذين أخبر الله عنهم في هذه الآية، أشد الناس جرما وأي: جرم أعظم من الكفر بآيات الله التي تدل دلالة قاطعة على الحق الذي من كفر بها فهو في غاية الكفر والعناد ويقتلون أنبياء الله الذين حقهم أوجب الحقوق على العباد بعد حق الله، الذين أوجب الله طاعتهم والإيمان بهم، وتعزيرهم، وتوقيرهم، ونصرهم وهؤلاء قابلوهم بضد ذلك، ويقتلون أيضا الذين يأمرون الناس بالقسط الذي هو العدل، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي حقيقته إحسان إلى المأمور ونصح له، فقابلوهم شر مقابلة، فاستحقوا بهذه الجنايات المنكرات أشد العقوبات، وهو العذاب المؤلم البالغ في الشدة إلى غاية لا يمكن وصفها، ولا يقدر قدرها المؤلم للأبدان والقلوب والأرواح.
وبطلت أعمالهم بما كسبت أيديهم، وما لهم أحد ينصرهم من عذاب الله ولا يدفع عنهم من نقمته مثقال ذرة، بل قد أيسوا من كل خير، وحصل لهم كل شر وضير، وهذه الحالة صفة اليهود ونحوهم، قبحهم الله ما أجرأهم على الله وعلى أنبيائه وعباده الصالحين.
{ 23 - 25 } { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ * فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ }
يخبر تعالى عن حال أهل الكتاب الذين أنعم الله عليهم بكتابه، فكان يجب أن يكونوا أقوم الناس به وأسرعهم انقيادا لأحكامه، فأخبر الله عنهم أنهم إذا دعوا إلى حكم الكتاب تولى فريق منهم وهم يعرضون، تولوا بأبدانهم، وأعرضوا بقلوبهم، وهذا غاية الذم، وفي ضمنها التحذير لنا أن نفعل كفعلهم، فيصيبنا من الذم والعقاب ما أصابهم، بل الواجب على كل أحد إذا دعي إلى كتاب الله أن يسمع ويطيع وينقاد، كما قال تعالى { إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا } والسبب الذي غر أهل الكتاب بتجرئهم على معاصي الله هو قولهم { لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون }
افتروا هذا القول فظنوه حقيقة فعملوا على ذلك ولم ينزجروا عن المحارم، لأن أنفسهم منتهم وغرتهم أن مآلهم إلى الجنة، وكذبوا في ذلك، فإن هذا مجرد كذب وافتراء، وإنما مآلهم شر مآل، وعاقبتهم عاقبة وخيمة، فلهذا قال تعالى { فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه }
أي: كيف يكون حالهم ووخيم ما يقدمون عليه، حالة لا يمكن وصفها ولا يتصور قبحها لأن ذلك اليوم يوم توفية النفوس ما كسبت ومجازاتها بالعدل لا بالظلم، وقد علم أن ذلك على قدر الأعمال، وقد تقدم من أعمالهم ما يبين أنهم من أشد الناس عذابا.
إقرأ المزيد.. bloggeradsenseo

الثلاثاء، 23 يونيو 2015

سورة البقرة - فارس عباد HD

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته





السلام عليكم ورحمة الله وبركاته 
اللهم صلى على محمد وال محمد وعجل فرجهم الشريف 

كتاب الله نور القلوب سورٌ عطرة معاني جليلة وشرحٌ لطريق الصراط المستقيم وباب التكامل الأخلاقي الذي دعانا له السيد الشهيد الصدر 
ومن أجل تحقيق هذا الهدف علينا فهم المعنى العام لكل اية لإستخلاصها في حياتنا اليومية سبق وطرحت لكمتفسير سورة الانعام واليوم أطرح لكم تفسير سورة البقرة المباركة كاملة
التفسير من كتاب (تقريب القرأن إلى الأذهان) لاية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي

* التفسير من جهد خاص وحصري لذى اتمنى عدم النقل بدون ذكر المصدر منتديات جامع الائمة 

نبدء بسم الله الرحمن الرحيم 

الأية 1 :

((الم)) أي من جنس هذه الحروف المقطعة: "ا"، "ل"، "م".

الأية 2 : 
((ذَلِكَ الْكِتَابُ)) والإشارة بالبعيد، للإشارة إلى كون القرآن سامي عالي المنزلة، ((لاَ رَيْبَ فِيهِ)) أي ليس محلاً للريب وإن ارتاب فيه الكفار، كما أن النهار لا ريب فيه وإن ارتاب فيه السوفسطائيون، و"لا ريب فيه" صفة للكتاب. ((هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ))صفة بعد صفة، أي أن هذا القرآن هداية لمن اتقى وخاف من التردي، فإنه هو الذي يهتدي بالقرآن، وإن كان القرآن صالحاً لأن يهدي الكل.

الأية 3:
((الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ)) صفة للمتقين، والمراد بالإيمان: الاعتقاد به، والغيب هو الذي غاب عن الحواس الظاهرة، أي ما وراء الطبيعة، فالروح غيب، وأحوال القبر غيب، والله سبحانه غيب، وهكذا. ((وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ)) إقامة الصلاة والإتيان بها دائما على الوجه المأمور بها، ولذا تدل على معنى أرفع من معنى "صل". ((وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ)) والرزق أعم من المأكول والملبوس والمسكون والعلم والصحة وغيرها. وإنفاق كل شيء بحسبه.

الاية 4:
((والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ)) من الوحي والقرآن، ((وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ)) فإن من شرائط الإيمان الإيمان بكل الأنبياء (لا نفرق بين أحد من رسله)، ((وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ)) واليقين بالآخرة هو الاعتقاد بها، والعمل بمقتضاها، وبعض هذه الأمور - وإن كانت داخلة في "الإيمان بالغيب" لكنها ذكرت لزيادة الاهتمام بها. وذكر الخاص بعد العام.

الأية 5:
((أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ)) أي على بصيرة، وهذه البصيرة أتت إليهم من ناحية الله سبحانه، ((وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)) الناجون، فهم في الدنيا على بصيرة، وفي الآخرة في زمرة الناجين. ثم أن القرآن لما ذكر المؤمنين ثناهم بذكر الكافرين، ثم ثلثهم بذكر المنافقين، فإن كل دعوة لابد وأن ينقسم الناس أمامها إلى ثلاثة أقسام: "مؤمن بها" و"كافر بها" ومذبذب بين ذلك يجامل الطرفين.

الاية 6:
((إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ)) والكفر هو الستر، كأن الكافر يستر الحقيقة، ولا يبديها ((سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ)) والمراد بـ"الذين كفروا" - هنا - هم المعاندون منهم، لأنهم المصداق الاجلي <الأصلي> للكافر، وإلا فالذين آمنوا بالرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - من الناس كانوا كفاراً، ثم آمنوا، ومن المعلوم، أن المعاند يتساوى في حقه الإنذار وعدمه، نعم، يجب إنذاره إتماماً للحجة. وهذا تسلية للنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - حتى لا تذهب نفسه عليهم حسرات.

الأية 7 :
((خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ)) طبعها بالكفر، أي جعلها بحيث يصعب إيمانها، لأنها اعتادت الكفر وعدم الاستماع إلى الحق، وإنما ختم الله لأنها لم تقبل الهداية، كمن يطرد ولده عن داره بعد ما أرشده مرات، فلم يفد فيه النصح، كما قال تعالي: (ختم الله عليها بكفرهم) أي بسبب كفرهم، وإنما فسرنا "الختم" بـ"يصعب" لبداهة أن الإنسان - ولو كان معانداً - لا يخرج عن قابلية القبول والاهتداء ((وَعَلَى سَمْعِهِمْ)) بمعنى أنهم لا يستفيدون من السمع والبصر كالأصم، لأن في سمعهم خلل، ((وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ)) تشبيه للغشاوة المعنوية بالغشاوة الظاهرية، فكما أن من على بصره غشاوة لا يرى المحسوسات، كذلك من يعاند، يكون على بصره مثل الغشاوة، وهو تنزيل لفاقد الوصف منزلة فاقد الأصل، كما تقول لمن لا ينتفع بالعلم: "هو جدار." ((وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ)) في الدنيا والآخرة، فإن من ينحرف عن قوانين الله تعالى يكون له معيشة ضنكا، ونحشره يوم القيامة أعمى.

الأية 8:
((وَمِنَ النَّاسِ مَن)) المنافقون، وهم القسم الثالث، فهو ((يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ)) قولا باللفظ فقط، ((وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ)) حقيقة، فلا يعملون أعمال المؤمنين، وإن كانت قلوبهم أيضاً متيقنة بحقائق اللإيمان.

الأية 9:
((يُخَادِعُونَ اللّهَ)) أي يفعلون مع الله تعالى فعل المخادع - الذي يريد الخديعة، فيظهر ما لا يريده، ويريد ما لا يظهره.((وَالَّذِينَ آمَنُوا)) فيرونهم خلاف ما يضمرونه، لكن عملهم هذا ليس خدعة حقيقة لله وللمؤمنين، فإنهما يعلمان نواياهم، فلا ينخدعون بهم، بل ((وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم)) إذ يجري عليهم أحكام المؤمنين ظاهراً، ولا يشتركون معهم في أسرارهم، كما لا يشتركون معهم آخرتهم، فهم مخدوعون من حيث ظنوا أنهم مخادعين ((وَمَا يَشْعُرُونَ)) بأنهم خدعوا أنفسهم، لا أنهم خدعوا الله والمؤمنين، وإذ لو شعروا بأنهم يخدعون أنفسهم لم يقدموا على ما ظنوه خدعة لغيرهم، والحال أنها خدعة لهم حقيقة وواقعاً.

الأية 10 :
((فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ)) فإن قلب المنافق ملتو، ونفسه معوجة، لا تريد الاستقامة ((فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً)) إذ نزول الآيات ونصب الرسول أوجب أن يزيدوا في التوائهم، لئلا يسلط النور عليهم فيعرفوا ((وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ)) أي مؤلم ((بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ)) أي بسبب كذبهم بمخالفة ظاهرهم لباطنهم، فإنه نوع من الكذب، وإن كان كلامهم مطابقاً للواقع، لكنهم حيث أخبروا عن إيمانهم ولم يكونوا مؤمنين كان ذلك كذباً.

الأية 11 :
((وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ)) أي المنافقين ((لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ)) فإن النفاق يلازم الإفساد، إذ يعمل المنافق ضد الدعوة، ويؤلب عليها، وهو إفساد حينما تريد الإصلاح والتقدم ((قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ)) فإنهم يظنون أن الدعوة إفساد، وأنهم بوقوفهم ضدها يصلحون في الأرض.

الأية 12 :
((أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ)) لأنهم بوقوفهم النفاقي ضد الإسلام يكونون مفسدين إفساداً بالغاً أكثر من إفساد الكفار، ولذا قال تعالى في آية أخرى (هم العدو) على نحو الحصر ((وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ)) بذلك، بل (يحسبون أنهم يحسنون صنعا).

الأية 13:
((وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ)) أي المنافقين، والقائل هم جماعة من المؤمنين الذين لا يخافون ((آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ)) إيماناً لا يشوبه نفاق((قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء)) يعنون بالسفهاء المؤمنين الحقيقيين ((أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء)) وأية سفاهة أعظم من كون الإنسان حائداً عن طريق الحق مع كونه متصفا بصفة النفاق الرذيلة، ((وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ)) أنهم هم السفهاء، لأنهم يظنون أن طريقتهم النفاقية أصلح الطرق.

-------------------------------------------------------------------------------

الأية 14 :
((وَإِذَا لَقُواْ)) من "لقى" أي التقى المنافقون بـ: ((الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ)) لهم ((آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ)) أي أشباههم من المنافقين ((قَالُواْ))لهم ((إِنَّا مَعَكْمْ)) يريدون بذلك إرضاء الجانبين ((إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ)) بالمؤمنين في إظهار الإيمان لهم، وهذا هو دليل نفاقهم، وإلا لو كان الأمر بالعكس - بأن أظهروا الكفر تقية - لم يزيدوا على إظهاره.


الأية 15 :
((اللّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ)) أي يفعل لهم فعل المستهزئ، فيجري عليهم في الدنيا أحكام الإيمان، وفي آخرتهم يجازيهم بجزاء الكفار، وفي بعض الأحاديث أنه يستهزئ بهم في الآخرة في النار ((وَيَمُدُّهُمْ)) إمداد الله سبحانه بعدم الضرب على أيديهم كما يقال: الملك يمد قطاع الطريق حيث لا يستأصلهم ((فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ)) الطغيان: تجاوز الحد - العمه والتحير - فإن المنافق كالشخص المتحير، وإنما يمدهم الله سبحانه لأن الدنيا دار اختبار وامتحان فلا جبر ولا إلجاء.


الأية 16 :

((أُوْلَـئِكَ)) المنافقون ((الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى)) فكأنهم أعطوا الهداية، وأخذوا مكانها الضلالة، أو كأنهم أعطوا أنفسهم بدل الضلالة، بينما كان الذي ينبغي أن يعطوا أنفسهم بدل الهداية، كما قال الشاعر:

أنفاس عمرك أثمان الجنان فلا تشتري بها لهبا في الحشر تشتعل
((فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ)) المعنوية، بل خسروا رأس المال الذي هو أنفسهم ((وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ)) في هذه التجارة والاشتراء.



الأية 17:
((مَثَلُهُمْ)) أي مثل هؤلاء المنافقين ((كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً)) استوقد بمعنى أوقد، أو بمعنى طلب الوقود الذي هو الحطب ونحوه، والمعنى أشعل ناراً ليستضيء ويدفأ بها، ((فَلَمَّا أَضَاءتْ)) النار ((مَا حَوْلَهُ)) وانتفع بها ((ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ)) بأن أرسل ريحاً فأطفأها، ((وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ)) ما حولهم، وإنما كان هذا مثلا لهم، لأن المنافق بإيمانه الظاهري يبعد <يعد> لنفسه سبيل الحياة، وينور طريقه - فإن الإيمان نور وسبب لهداية الإنسان إلى الحق والعدل والخير - فإذا قبض الله أرواحهم تركهم كسائر الكفار في نار وعذاب حين يقبض الله أرواح المؤمنين إلى نور أوسع ورحمة أكبر... فهؤلاء المنافقون.



الأية 18:
((صُمٌّ)) جمع أصم، لأنهم لا ينتفعون بالحق، فهم والأصم سواء ((بُكْمٌ)) جمع أبكم، وهو الأخرس، لأنهم لا يقولون الحق فهم والأبكم سواء ((عُمْيٌ)) جمع أعمى، لأنهم لا يبصرون الحق، فهم والأعمى سواء ((فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ)) عن غيهم وضلالهم، و"ف" للإشارة إلى أنهم حيث صموا وأبكموا وعموا لم يرج فيهم الخير، فإنه (لا يسمع الصم الدعاء).


الأية 19 :
((أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاء)) مثال آخر لحال المنافقين، والفرق بين المثالين أن المثال الأول كان مثالاً للمنافق نفسه، وهذا المثال مثال الحق الذي يغمر المنافق، ولكنه لا ينتفع به، والمصيب هو المطر، فالحق الذي يغمر هؤلاء كمطرٍ ينزل من السماء ((فِيهِ ظُلُمَاتٌ)) ظلمة السحاب وظلمة المطر - لأنه يحول بين الضياء وبين الأرض - وظلمة سحاب فوق سحاب ((وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ)) من الأمور المخوفة، ((يَجْعَلُونَ)) أي من ابتلي بهذا الصيب ((أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ)) خشية ((الصَّوَاعِقِ)) فإن الصاعقة إذا نزلت قرعت الأسماع صوتها الشديد، ((حَذَرَ الْمَوْتِ))، فإن الصوت الشديد توجب انخلاع القلب فيموت الشخص، لكن هؤلاء المنافقين الذين هم كفار في الباطن لا يظنوا أنهم يتمكنون الفرار من بأس الله تعالى ((واللّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ)) إحاطة علم وقدرة.



الأية 20 :

((يَكَادُ الْبَرْقُ)) اللامع في السحاب ((يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ)) أي أبصار من ابتلي بالصيب، وخطف البصر كناية عن عماه، ((كُلَّمَا أَضَاء لَهُم)) بأن أبرق ورأوا طريقهم ((مَّشَوْاْ فِيهِ)) أي في البرق، بمعنى استفادتهم من نوره فيمشون، ((وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ)) بأن لم يبرق ((قَامُواْ)) في أماكنهم، أي وقفوا ((وَلَوْ شَاء اللّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ)) بسبب صاعقة قوية فتصمهم ((وَأَبْصَارِهِمْ)) بسبب برق قوي، إذ النور إذا قوي أوجب ذهاب البصر، ((إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) فلا يمنعه أن يحتمي الإنسان بإصبعه أو بغمض بصره عن أن يذهب بسمعه أو ببصره.
وهذا توضيح المثال بتطبيقه على المورد أن "الصيب" هو الحق النازل على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) و"البرق" هو تقدم المسلمين وما يسبب لهم إنارة الطريق، و"الرعد" والصاعقة إيعادات الرسل والأهوال المكتنفة بالدعوة والمنافقون، كمن ابتلي بهذا الصيب في الصحراء، فالحق كالمطر فيه الحياة، لكن فيه ظلمات غلبة الكفار وذهاب الأنفس والأموال والثمرات، وفيه برق ينير طريق الحياة السعيدة، وفيه رعد وصاعقة مواعيد الرسول وفضحه المنافقين، وهؤلاء المنافقين يكاد سرعة تقدم المسلمين تعميهم، فإن العين إذا نظرت إلى ما لا يسرها اضطربت ودمعت - كلما أضاء لهم بأن غلبوا في الحرب وحصلوا على الغنائم واتبعوا الرسول، وإذا أظلم عليهم - بأن غلب عليهم الكفار - وقفوا وقاموا في مكانهم، لا يعلمون ولا يتقدمون، وهم يخافون من الفضيحة إن نزلت آية في شأن المنافقين، فيجعلون أصابعهم في آذانهم حتى لا يسمعونها، أو يتغافلون عنها كي لا يرى أثر الانهزام في وجوههم، فإن الإنسان المجرم إذا سمع ما يمس إجرامه ظهرت الصفرة وآثار الانهزام على وجهه، ولكن الله قادر على إماتتهم، كما هو قادر على فضحهم والذهاب بسمعهم وبصرهم، فليسوا هم في راحة من نفاقهم - كما زعموا - بل هم في أشد ابتلاء ومحنة.



الأية 21:
((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَ)) خلق ((الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ)) وكان السبب في الخلق ((لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)) أي خلقكم للتقوى والعبادة، كما قال تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون).

-------------------------------------------------------------------------------

الأية 22 : 
((الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً)) كالفراش الذي يكون راحة للبدن وزينة وجمالاً، ((وَالسَّمَاء بِنَاء)) أي مبنيا، وهذا يلائم كون السماء طبقة تحطم القذائف إلى الأرض، فإن البناء ليس المراد منه أن يكون المبني من جسم كثيف، ((وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء)) والمراد بالسماء هنا جهة العلو أو المراد من تلك الناحية ((فَأَخْرَجَ بِهِ)) أي بسبب الماء ((مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ)) فإذا كان الخلق وسائر النعم من الله سبحانه ((فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً)) شركاء من الأصنام أو غيرها ((وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ)) أنها باطلة، وأنه ليس لله شريك.


الأية 23 :
((وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا)) محمد بن عبد الله، وتزعمون أنه ليس من الله سبحانه ((فَأْتُواْ بِسُورَةٍ)) واحدة ((مِّن مِّثْلِهِ)) أي من مثل هذا المنزل، ولو كان قُصر سورة نحو (قل هو الله أحد) أو (إنا أعطيناك)، ((وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم)) الذين يشهدون معكم أن محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) ليس بنبي ((مِّن دُونِ اللّهِ))أي كائن ما كان غير الله سبحانه، كما يقول ما دون الله مخلوق ((إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)) في ريبكم وزعمكم أن محمداً ليس بنبي وأن القرآن ليس من عند الله تعالى، إذ لو لم يكن محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) نبياً لكان إنساناً عادياً فيمكن الإتيان بمثل كلامه.



الاية 24 :
((فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ)) ولم تأتوا بسورة من مثل هذا القرآن ((وَلَن تَفْعَلُواْ))، هذا إخبار بأنهم لن يفعلوا ذلك أبداً، إذ القرآن معجز، فلا يمكن الإتيان بمثله، ((فَاتَّقُواْ)) عاقبة تكذيبكم لرسول الله ولكتاب الله التي هي ((النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا)) أي حطبها وما يسبب إيقادها ((النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ)) جمع حجر ولعل المراد بها أصنامهم، كما قال تعالى: (أنتم وما تعبدون حصب جهنم)، وتخصيص الحجارة بالذكر للتهويل، إذ الحجارة لا تنفى، فتكون النار دائمة ((أُعِدَّتْ)) هذه النار ((لِلْكَافِرِينَ)). هذه عاقبة من يكذب.


الأية 25:
((وَبَشِّرِ)) يا رسول الله ((الَّذِين آمَنُواْ)) بقلوبهم وألسنتهم ((وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ)) بجوارحهم ((أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ)) الجنة باعتبار كونها بستانا ذات أشجار ونخيل، تكون أرضها من تحتها، فالأنهار الجارية من تحت الجنة على أرضها. ((كُلَّمَا رُزِقُواْ)) أي رزق المؤمنين ((مِنْهَا)) أي من الجنات ((مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً)) بأن أتى لهم بفاكهة وثمرة ((قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ)) فإنهم يألفون تلك الثمار لما رأوا منها في الدنيا، وليسوا كأصحاب الجحيم الذين لا يألفون طعامهم الذي من ضريع ولا شرابهم الذي من حميم، ((وَأُتُواْ بِهِ)) أي بذلك الرزق ((مُتَشَابِهاً)) يشبه بعضه بعضاً في الجودة والجدة - لا كثمار الدنيا ((وَلَهُمْ فِيهَا)) أي في الجنات ((أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ)) من القذارات الخلقية كالأوساخ والدماء والقذارات الخلقية كالسب والشتم والحسد ونحوها، ((وَهُمْ فِيهَا)) أي في تلك الجنات ((خَالِدُونَ)) أبداً لا يموتون ولا يتحولون عنها.



الأية 26 :

وحيث قسم الله الناس إلى أقسام ثلاثة: مؤمن وكافر ومنافق، ومثل للمنافق، ثم أمر الناس عامة بالعبادة، ودعاهم إلى حضيرة الإيمان، وذكر فوائده، واحتج على من أنكر الرسالة، أجاب عن سؤال سأله الكافر، ومن إليهم تعنتاً، وهو أن الله لماذا يضرب المثل كما مثل المنافق هنا، ومثل في سورة أخرى بالعنكبوت ونحوها؟ فإن المثال أوقع في النفوس وموجب لتقريب المطلب إلى الأذهان.
((إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا)) فإن الحياء من الأشياء القبيحة أو نحوها، وليس في تمثيل الله الكبير بالأشياء الصغيرة الحقيرة في النظر حياء - أي مثل كان، وهذا معنى قوله: "ما" أي شيئاً من الأشياء، ((بَعُوضَةً)) وهي البقة ((فَمَا فَوْقَهَا)) ولعل ذكر البعوضة هنا لأنها أصغر حيوان متعارف يراه كل أحد ((فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ)) أي المثل ((الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ)) وأتى به لغرض التوضيح والتبيين، ((وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ)) معترضين ((مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً))، و"مثلاً" تمييز في معنى "بهذا المثل" ولماذا يأتي الله بهذا المثل غير المناسب لجلال الله فـ: ((يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً)) ويوجب انقسام الناس، ومن المحتمل أن يكون "يضل" جواب عن اعتراضهم، أي أن المقصود من المثل الإضلال والهداية، لكنه ينافي السياق، فإن المقصود بالمثل ليس كذلك وإنما التوضيح والتقريب، ((وَمَا يُضِلُّ بِهِ)) أي بالمثل ((إِلاَّ الْفَاسِقِينَ)) الذين فسقوا أي خرجوا عن طاعة ربهم ومقتضى عقولهم، ثم بين الفاسقين بأبرز سماتهم بقوله:


الأية 27:
((الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ)) الميثاق ما وقع التوثيق به، وميثاق الله هو ما أخذ عليهم في الكتب السالفة من الإيمان، أو هو ما أودع فيهم من الفطرة بعرفان الحق، ((وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ)) من صلة الأرحام، أو صلة الرسول والمؤمنين، ((وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ)) بالكفر والنفاق وإتيان المحرمات، ((أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)) الذين خسروا أعمارهم، فذهبت دنياهم ضنكاً وآخرتهم عذاباً وناراً.



الأية 28:
ثم عاد سبحانه إلى حال الكافر، ووجه الخطاب إليه مستدلاً على بطلان كفره بقوله: ((كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً)) لا روح فيكم، فإن أصل الإنسان التراب، ثم يكون نباتاً ثم يكون حيواناً وما أشبه، فيأكله الإنسان، فيتولد المني، ثم يصير إنساناً، ثم يموت، ويرجع تراباً، ثم يعاد يوم القيامة إنساناً ((فَأَحْيَاكُمْ)) نباتاً أو حيواناً أو إنساناً ((ثُمَّ يُمِيتُكُمْ)) وقت موتكم ((ثُمَّ يُحْيِيكُمْ)) يوم القيامة ((ثُمَّ)) بعد الحياة الثانية ((إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)) لتساقون للمحاكمة الكبرى، وكون الرجوع إليه - مع أن الإنسان في جميع الأحوال بدءاً وختاماً تحت سلطة الله وقدرته وعلمه - باعتبار محاسبته تعالى للإنسان.

-----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

الأية 29: 
((هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم)) لمنفعتكم ((مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً)) فمن خلقها غيره، وكون الخلق للإنسان لا يدل على تحليل كل شيء، بل كل شيء بحسبه، فالأسماك المحرمة والحيوانات المفترسة لتمتع السمع والبصر لا للأكل ونحوه وهكذا ((ثُمَّ اسْتَوَى)) أي توجه بالخلق والأمر ((إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ)) مدارات للنجوم السيارة، فإن السماء في اللغة بمعنى المدار - هذا إذا قلنا بالنظر الفعلي حول السماوات، ويؤيده حديث عن الإمام الرضا (عليه السلام) كما في "الهيئة والإسلام"، ((وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)) فلا يغيب عنه شيء، فمن كفر كان الله مطلعاً عليه لا يفوته ذلك، ولا يخفى أن خلق الأرض كان أولاً، ثم خلق السماء، ثم دحو الأرض، كما قال: (والأرض بعد ذلك دحاها).



الأية 30:
وحيث ذكر الله قصة خلق السماء والأرض وثم البناء، توجه الحديث إلى من استخلف فيها، ((وَ)) اذكر ((إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ)) الذين هم مخلوقون في الملاء الأعلى لا يرون بالعين إلا ما شاء الله ((إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً)) يخلفني في الأمر والنهي والإرشاد، وهذا الحوار إنما كان لأجل إظهار كوامن وبيان حقائق،((قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا)) أي في الأرض ((مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء)) وهذا استفهام حقيقي، يريدون بذلك استيضاح السبب، ولعلهم إنما علموا بذلك لما كانوا يدرون من كدرة الأرض وثقلها الموجبة للفساد والتكدر، أو لما رأوا من فعل بني الجان سابقاً، ((وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ)) ففينا الكفاية، وليس هذا تزكية، بل كقول العبد المطيع لمولاه: "إني أقوم بخدمتك، فلماذا تأتي بغيري الذي لا يقوم بالواجب؟" ومعنى التسبيح: التنزيه، وكان المراد من التسبيح بحمده التنزيه المقترن بالحمد مقابل التنزيه غير المقترن به، كتنزيه الجوهرة الثمينة عن النقائص، لكن التنزيه فيها لا يقترن بالحمد، إذ ليس ذلك باختيارها بخلافة تعالى المقترن أفعاله وأعماله بالإرادة، ((وَنُقَدِّسُ لَكَ)) أي إن تقديسنا وتنزيهنا لأجلك لا يشوبه رياء وسمعة، ((قَالَ)) الله تعالى في جواب الملائكة السائلين عن السبب ((إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)) فإن في استخلاف البشر مصالح أهم من الفساد الواقع منهم، كما أن استخلافهم أهم من استخلافكم، فإن منهم من الأخيار والصالحين من لا يلحقه الملك القرب، بالإضافة إلى أنه خلق يظهر من عظمة الصانع نوعاً جديداً.


الأية 31:

وإذا أراد الله تعالى إعلام الملائكة ببعض مزايا البشر وإنه من جنس أرفع منهم علم آدم (عليه السلام) علوماً يتمكن هو من فهمها وهضمها، بينما لا يقدر الملائكة على ذلك، ثم قال تعالى للملائكة هل تتحملون مثل ذلك؟ فأبدوا عجزهم، وإذ رأوا من آدم التحمل والقدرة، واعترفوا بالتفوق، وأنه أحق بالخلافة، وتوضيح ذلك بمثال أنه إذا كان لإنسان خادم لا يقدر - فطرة - على بناء دار جملية، ثم أراد استخدام المهندس، فقال الخادم: "لماذا تستخدم غيري وأنا حاضر؟" يقول له السيد: "إني أعلم ما لا تعلم،" ثم يستخدم المهندس، ويبين له ما يريده من الدار، فيقدر المهندس من بنائها، بينما لا يقدر الخادم على النزول عند رغبة السيد، وهناك يعترف العجز وأن السيد كان عارفاً حيث تركه إلى غيره.
((وَعَلَّمَ)) الله تعالى ((آدَمَ)) (عليه السلام) ((الأَسْمَاء كُلَّهَا)) أسماء الأشياء وعلائمها، وذلك يستلزم تعليم المسميات والمعلومات، فإذا علّمت أحداً اسم زيد وعمرو وبكر، كان اللازم تعريفهم له أيضاً، ولذا قال ((ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ)) بإتيان ضمير "هم" تغليباً للعقلاء على غيرهم، والعرض على الملائكة ((فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)) صدقاً خبرياً يطابق كلامكم الواقع في أنكم كافين في الاستخلاف، ولعل تعليم آدم كان بالإلهام وخلق العلم فيه مما هو قابل له دون الملائكة، فإنهم لم يكونوا قابلين لهذا العلم والإلهام، فلا يقال لماذا لم يعلم الله تعالى الملائكة.


الأية 32:
((قَالُواْ سُبْحَانَكَ)) أنت منزه عن القبيح والعبث ((لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا)) فليس لنا هذا العلم الذي لآدم مما هو قابل له ولسنا قابلين له، ((إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ))والحكيم هو الذي يفعل الأشياء عن حكمة، بمعنى وضع الأشياء في موضعها اللائقة بها.



الأية33:

((قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ)) أي بأسماء ما عرضهم على الملائكة، ((فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ))، وعرفت الملائكة كون قابلية آدم فوق قابليتهم ((قَالَ)) الله تعالى لهم((أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)): ما غاب عن إدراككم ((وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ)) أي تظهرون، ((وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ)) من حسد بعضكم - وهو الشيطان - لآدم (عليه السلام)؟
ثم إن مقتضى اللطف العام والرحمة الواسعة أن يخلق الله تعالى أنواع المخلوقات الممكنة، التي لا يمنع عن خلقها مانع، ولذا خلق الملائكة دون البشر، وخلق بعض - كل من الصنفين - أرفع من البعض الآخر، فلا مجال للتساؤل: فلماذا لم يجعل الله تعالى هذه القابلية البشرية في الملائكة وثم خلق آدم (عليه السلام) وانتهى كل شيء؟


الاية 34 :
((وَ)) واذكر ((إِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ)) إما بأن يكون هو قبلتهم، ويكون السجود لله سبحانه، وإما بأن يكون السجود لآدم، ولا دليل عقلي على أنه لا يجوز السجود لغير الله تعالى، نعم ورد الشرع بذلك بالنسبة إلى المسلمين، ((فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ)) هو الشيطان ((أَبَى وَاسْتَكْبَرَ)) أي امتنع وأنف ((وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ))التفات: كما نقول نحن: "كان أبو جهل كافراً" وليس حكاية عطفاً على "أبى" حتى يستلزم كونه كافراً من قبل ذلك.


الأية 35 :
((وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ)) حواء (عليها السلام)، قال لهما ذلك بعد ما خلق حواء - أيضاً - كخلق آدم من غير أب وأم ((الْجَنَّةَ))، الجنة هو البستان، وقد كانت لله تعالى جنة أسكنها آدم وحواء ((وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً)) أكلاً واسعاً بلا زحمةٍ ولا تكلف ((حَيْثُ شِئْتُمَا)) من أطراف الجنة، ((وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ)) فقد نهوا عن شجرة واحدة اختباراً وامتحاناً، وكانت الشجرة على قَوْلٍ جمع "الحنطة"، وقد كان نهياً إرشادياً كنهي الطبيب مريضه أن لا يأكل ما يضره، وقد كانت فائدة عدم أكلهما لها أنهما يبقيان في الجنة، كما قال سبحانه (إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى، وإنك لا تظمأ فيها ولا تضحى) ((فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ)) فإن الإنسان إذا حرم نفسه من الخير كان ظالماً لها، إذِ الظلم بمعنى وضع في غير موضعه، كما أن العدل معناه وضع الشيء موضعه.

-----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

سورة البقرة 
36
((فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا)) أي حمل الشيطان آدم وحواء على الزلة عن الجنة بسبب أنه حملهما على الأكل من الشجرة، ((فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ)) من النعيم، ((وَقُلْنَا اهْبِطُواْ))، الخطاب لآدم وحواء والشيطان، والهبوط إما حقيقي - إن كان من محلٍ أعلى إلى أسفل - أو رتبي ((بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ)) فإن الشيطان عدوهما، وهما عدوان له، ((وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ)) محل القرار ((وَمَتَاعٌ)) أي استمتاع ((إِلَى حِينٍ)) إلى حين انقضاء الدنيا أو موت كل أحد، وإذِ ارتكب آدم خلاف الأولى - بأكل الشجرة، وأهبطه الله تعالى من الجنة تداركته الرحمة.



سورة البقرة 
37
((فَتَلَقَّى)) أي أخذ ((آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ)) تُسببُ التوبة والرجوع عن الزلة، وكان ذلك بتعليم الله تعالى له أن يجري تلك الكلمات على لسانه، فأجراها ((فَتَابَ)) الله((عَلَيْهِ)) أي على آدم ((إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ)) أي كثير قبولٍ للتوبة ((الرَّحِيمُ)) بعباده.



سورة البقرة 
38
((قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً)) إنما كرر الأمر بالهبوط توطئةً لموضوعٍ آخرٍ وهو الهداية بعد ذكر المقر والمتاع، كما يقال: "قلت له: اذهب تربح. قلت له: اذهب تسلم."((فَإِمَّا)) أصله "إن" الشرطية، و"ما" الزائدة دخلت عليها لتصحيح نون التأكيد، يعني فإن ((يَأْتِيَنَّكُم)) أيها البشر الذي في صلب آدم ((مِّنِّي هُدًى)) يهديكم إلى الحق((فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ)) في الدنيا ولا في الآخرة ((وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ))، إذِ الخوف الكامل إنما يكون من أمرٍ مكروه ولا يُعوض، وكذلك الحزن ومصائب المؤمنين تعوض، فلا خوف كامل منها، والفرق بين الخوف والحزن أن الأول لأمر مترقب، والثاني لأمر حادث -غالباً - ولا مانع من الخطاب إلى المعدوم إذا كان المقصود منه الوصول إليه بعد وجوده، هذا مع الغض عن عالم الذر، كاللا مانع من الجمع بين "إن" و"نون التوكيد" إذا المعنى إن أتاكم إتياناً قطعياً مقابل الإتيان المظنون.



سورة البقرة 
39
((وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا)) فلم يؤمنوا بعد أن تمت عليهم الحجة، ولعل هذا سر قوله: "كذبوا" بعد "كفروا"، إذِ الكفر لا يلازم التكذيب إذا كان عن القصور((أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)) أبداً، ولا يخفى أن المقصر المعاند خالداً أبداً، أما غيره فيمتحن هناك.



سورة البقرة 
40
ولما أتم القرآن الكريم قصة آدم واستخلافه في الأرض وجّه الكلام إلى بني إسرائيل الذين هم النموذج للجنس البشري، وقد أتتهم الأنبياء هدىً، وأنعم عليهم الله تعالى، فكفروا بالنعم، وقتلوا الأنبياء. ليكون فذلكة لقصة آدم ودرساً لأمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم). 
((يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ)) هم اليهود، وإسرائيل اسم يعقوب النبي (عليه السلام)، نُسبوا إلى أبيهم الأعلى كما نُسب البشر إلى أبيهم الأعلى في قوله: (يا بني آدم). ((اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ)) وحيث لم يذكر المتعلق أفاد العموم، فيشمل كل نعمة مادية أو معنوية، ((وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي))، وحيث لم يذكر المتعلق أفاد كل عهدٍ عهده، سواء كان ذلك وقت أخذ موسى (عليه السلام) عنهم العهد بالإيمان بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، أم كان وقت أخذ الله عنهم العهد في عالم الذر، ثم أودع فيهم الفطرة دليلاً عليه، ((أُوفِ بِعَهْدِكُمْ)) بإعطائكم الدنيا والآخرة، فإن الله سبحانه ضمن لمن وفّى بعهده أن يعمر دنياه وآخرته، ((وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ)) الرهبة هي الخوف، يعني يجب أن يكون الخوف من الله سبحانه لا من الناس.




سورة البقرة 
41
((وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ)) من القرآن ((مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ)) من التوراة، فإن التوراة الأصلية كانت مصدقة - حتى في زمان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) - إلا ما نسخ منها، والنسخ ليس إبطالاً لها، كما أن نسخ بعض أحكام في القرآن - على القول به - ليس إبطالاً له، ((وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ)) أي أول من يكفر بما أَنزلتُ، وإنما كانوا أول كافر لأنهم - بسبب عملهم - كانوا مرجعاً للجهّال، فيكون كفر الجهّال في المرتبة الثانية. ((وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً)) أي بمقابل آياتي، بأن تعطوا الآيات - بمعنى عدم الإيمان بها - في مقابل ثمن قليل، وهو رئاسة الدنيا، وكونها قليلاً واضح لانقطاعها. ((وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ)) فالتقوى يجب أن تكون منه تعالى، إلا أن تكون الاتقّاء من غيره، لأن الله بيده النفع والضر دون غيره، كما قال تعالى: (قل كل من عند الله).



سورة البقرة 
42
((وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ)) البس هو التعمية، أي لا تخلطوا الحق بالباطل، فتأخذوا ببعض التوراة الذي هو في نفعكم، وتتركوا بعضها الذي يضركم، وهو بعض الأحكام التي تركوها، ومنها التبشير بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، ((وَ)) لا ((تَكْتُمُواْ الْحَقَّ)) الذي هو أوصاف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبعض الأحكام الأُخَرْ كما قال سبحانه (قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين)، ((وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ)) بصنعكم وأنه تلبيس المحق بالباطل وكتمان الحق.





سورة البقرة 
43
((وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ)) كما يأمر الإسلام ((وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ)) الذين هم المسلمون.




سورة البقرة 
44
((أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ))؟ استفهام إنكاري، أي لم تأمرون الناس بالأعمال الخيرية ((وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ)) فلا تعلمون بها، والنسيان كفاية عن عدم العمل لشبهٍ به في النتيجة كما قال سبحانه (نسوا الله فنسيهم)، فقد كان اليهود يخالفون أحكام التوراة، ويرتشون ويفسدون ويكذبون، ((وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ)) جملة حالية، أي والحال أنتم تقرأون كتاب الله، فاللازم أن تكونوا أول العاملين به، ((أَفَلاَ تَعْقِلُونَ)) أي ألا تعلمون أن ما تأتون به قبيح؟




سورة البقرة 
45
((وَاسْتَعِينُواْ)) في رجوعكم عن دينكم وإلغائكم لرؤسائكم - بما يجر ذلك عليكم من سلب بعضكم دنياكم ((بِالصَّبْرِ)) فإنكم إذا صبرتم على ما تكرهون من اتباع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عاد ذلك عليكم بخير مما أنتم فيه، ((وَالصَّلاَةِ)) فإن الصلاة توجب تهدئة النفس واطمئنان الخاطر (ألا بذكر الله تطمئن القلوب)،((وَإِنَّهَا)) أي الاستعانة بالصبر والصلاة ((لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ)) فإن الصبر ليس أمراً هيناً، والصلاة الكاملة ليست عملاً سهلاً، إنما قيدنا الصلاة بالكاملة، لأنها هي التي يستعان بها، أو أن المراد الصلوات اليومية، وهي صعبة جداً إلا على الذين يخشون الله سبحانه.


إقرأ المزيد.. bloggeradsenseo

الامة الاسلامية

احصائيات الموقع

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

تابعنا على الفيس بوك

مواقع التواصل الاجتماعي

الحلقات

التبادل الاعلاني

شاهد أيضاً

التصميم

البرمجة

إنـضــم للـمـوقــع

عن الموقع

أعلانات

جميع الحقوق محفوظة لمدونة 2013

تصميم: نوح نوح